ابن عربي

61

محاضرة الأبرار ومسامرة الأخيار

خوّارة ، ومسجد بين قبرين ، وأسدين عظيمين يلوذان به ، ويتمسحان بأثوابه ، وإذا أحدهم يسبق صاحبه إلى الماء فتبعه الآخر ، وطلب الماء ، فضربه بالقضيب الذي بيده وقال : ارجع ثكلتك أمك حتى يشرب الذي ورد قبلك ، فرجع ، ثم ورد بعده فقلت له : ما هذان القبران ؟ فقال : هذان قبرا أخوين لي ، كانا يعبدان اللّه معي في هذا المكان ، لا يشركان باللّه شيئا ، فأدركهما الموت ، فقبرتهما ، وها أنا بين قبريهما حتى ألحق بهما . ثم نظر إليهما فتغرغرت عيناه بالدموع ، فانكبّ عليهما وجعل يقول : خليليّ هيّا طالما قد رقدتما * أجدّكما لا تقضيان كراكما ألم تريا أني بسمعان مفرد * وما لي فيه من خليل سواكما مقيم على قبريكما لست بارحا * طوال الليالي أو يجيب صداكما أأبكيكما طول الحياة وما الذي * يردّ على ذي عولة إن بكاكما كأنكما والموت أقرب غائب * بروحي في قبريكما قد أتاكما فلو جعلت نفس لنفس وقاية * لجدت بنفسي أن تكون فداكما قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : « يرحم اللّه قسّا ، إني لأرجو أن يبعثه اللّه أمة وحده » . وأنشدوا في الموت : ذهب الأحبة بعد طول تودّد * ونأى المزار فأسلموك وأقلعوا خذلوك أفقر ما تكون بغرة * لم يؤنسوك وكربة لم يدفعوا قضى القضاء وصرت صاحب حفرة * عنك الأحبّة أعرضوا وتصدعوا وأنشدوا : يا أيها الواقف بالقبور * بين أناس غيب حضور قد سكنوا في خرب معمور * بين الثرى وجندل الصخور لا تك عن خطبك في غرور وأنشدوا : صرت بعد النعيم في * منزل البعد والقلا وجفاني أحبّتي * حين غيّبت في الثرى أخلق الموت جدّتي * ومحا حسني البلا ومن ذلك : سلب الموت بهجتي وشبابي * وجفاني في غربتي أحبابي بعد ملك وظل عيش عجيب * صرت رهنا لجندل وتراب